كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



تنبيه:
في نصب سيرتها أوجه:
أحدها: أن تكون منصوبة على الظرف أي: في سيرتها أي: طريقتها:
ثانيها: على البدل من هاء سنعيدها بدل اشتمال لأنّ السيرة الصفة أي: سنعيدها صفتها وشكلها.
ثالثها: على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها وقيل غير ذلك. فإن قيل: لما نودي يا موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلماذا خاف؟
أجيب عن ذلك بأوجه أحدها: أنّ ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط وهذا معلوم بدلائل العقول ثانيها: إنما خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم عليه السلام منها. ثالثها: أنّ مجرد قوله ولا تخف لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى: {ولا تطع الكافرين} الأحزاب.
لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله: {فلما رآها تهتز كأنها جانّ ولى مدبرًا} النمل.
يدل عليه ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار وقوله تعالى: {واضمم يدك} أي: اليمنى {إلى جناحك} أي: جنبك الأيسر تحت العضد في الإبط {تخرج بيضاء} أي: نيرة مشرقة تضيء كشعاع الشمس تعشى البصر لابد فيه من حذف والتقدير واضمم يدك تنضم وأخرجها تخرج فحذف من الأوّل والثاني وأبقى مقابليهما ليدلا على ذلك إيجازًا واختصارًا وإنما احتيج إلى هذا لأنه لا يترتب على مجرد الضم الخروج وبيضاء حال من فاعل تخرج وقوله تعالى: {من غير سوء} متعلق بتخرج وروي عن ابن عباس إلى جناحك إلى صدرك والأّول أولى كما قال الرازي لأنه يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه وجناحا الإنسان جانباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما أي: يميلهما عند الطيران وجناحا الإنسان عضداه فعضداه يشبهان جناحي الطير، ولأنه قال: تخرج بيضاء ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله تخرج معنى والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة. والبرص أبغض شيء إلى العرب ولهم عنه نفرة عظيمة وإسماعهم لاسمه مجاجة فكان جديرًا بأن يكنى عنه ولا ترى أحسن ولا أظرف ولا أخف للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه.
يروى أنّ موسى عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه فأدخلها في إبطه الأيسر وأخرجها فكانت تبرق مثل البرق وقيل مثل الشمس من غير مرض ثم إذا أردّها عادت إلى لونها الأوّل من غير نور وقوله تعالى: {آية أخرى} أي: معجزة ثابتة حال من ضمير تخرج كبيضاء وقوله تعالى: {لنريك} متعلق بما دل عليه آية أي: دللنا بها لنريك وقوله تعالى: {من آياتنا الكبرى} أي: العظمى على رسالتك متعلق بمحذوف على أنه حال من الكبرى والكبرى مفعول ثان لنريك والتقدير لنريك الكبرى حال كونها من آياتنا أي: بعض آياتنا واختلف أيّ الآيتين أعظم في الإعجاز فقال الحسن: اليد لأنه تعالى قال: لنريك من آياتنا الكبرى والذي عليه الأكثر أنّ العصا أعظم إذ ليس في اليد إلا تغير اللون وأمّا العصا ففيها تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر ثم إعادتها عصا بعد ذلك فقد وقع التغير في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم وأما قوله تعالى: {لنريك من آياتنا الكبرى} فقد ثبت أنه عائد إلى الكلام وأنه غير مختص باليد، فإن قيل: لم لم يقل تعالى من آياتنا الكبر؟
أجيب: بأنّ ذلك ذكر لرؤوس الآي وقيل فيه إضمار معناه لنريك من آياتنا الآية الكبرى وهذا التقدير يقوّي قول القائل بأنّ اليد أعظم آية. ولما أظهر سبحانه وتعالى لموسى هذه الآيات عقبها بأمره بالذهاب إلى فرعون بقوله تعالى: {اذهب} أي: رسولًا {إلى فرعون} وبيّن تعالى العلة في ذلك بقوله تعالى: {إنه طغى} أي: جاوز الحد في كفره إلى أن ادّعى الإلهية ولهذا خصه الله تعالى بالذكر مع أنه عليه السلام مبعوث إلى الكل قال وهب: قال الله تعالى لموسى عليه السلام اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإنّ معك يدي ونصري وإني ألبسك جبة من سلطاني تستكمل بها القوّة في أمرك أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرّته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، أقسم بعزتي لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان عليّ وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولًا لينا لا يغترّ بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل قال فسكت موسى عليه السلام سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك فعند ذلك {قال رب اشرح لي صدري} أي: وسعه لتحمل الرسالة، قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر بقوله: {قال ربّ إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني} [الشعراء: 13].
وذلك أنّ موسى عليه السلام كان يخاف فرعون اللعين خوفًا شديدًا لشدّة شوكته وكثرة جنوده وكان يضيق صدرًا بما كلف من مقاومة فرعون وحده فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أنّ أحدًا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدّة شوكته وكثرة جنوده، وقيل: اشرح لي صدري بالفهم عنك ما أنزلت عليّ من الوحي {ويسر} أي: سهّل {لي أمري} أي: ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وذلك لأنّ كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فالله تعالى هو الميسر له، فإن قيل: قوله لي في اشرح لي صدري ويسر لي أمري ما جدواه والأمر مستتم مستتب بدونه؟
أجيب: بأنه قد أبهم الكلام أوّلًا فقال اشرح لي ويسر لي فعلم أن ثم مشروحًا وميسرًا ثم بيّن ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير لأمره من أن يقول: اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل.
{واحلل عقدة من لساني} قال ابن عباس كان في لسانه عليه السلام رته وذلك أنّ موسى عليه السلام كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته إنّ هذا عدوّي وأراد أن يقتله فقالت له آسية: إنه صبي لا يعقل ولا يميز وفي رواية أنّ أمّ موسى لما فطمته ردّته إلى فرعون فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته يربيانه واتخذاه ولدًا فبينما هو ذات يوم يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس فرعون فغضب فرعون وتطير بضربه وهمّ بقتله فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل جربه إن شئت فجاءت بطشتين في أحدهما جمر وفي الآخر جوهر فأراد أن يأخذ الجوهر فأخذ جبريل يد موسى عليه السلام فوضعها على النار فأخذ جمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة.
وقيل: قربا إليه تمرة وجمرة فأخذ الجمرة فجعلها في فيه فاحترق لسانه، ويروى أنّ يده احترقت وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ ولما دعاه قال إلى أي: رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها وعن بعضهم أنها لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة.
وقيل: كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته واختلفوا في أنه لم طلب حل تلك العقدة؟ فقيل: لئلا يقع خلل في أداء الوحي وقيل لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه وقيل: لإظهار المعجزة كما أنّ حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزًا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى معجز في حقه واختلفوا في زوال العقدة بكمالها فقيل: بقي بعضها لقوله: {وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا} القصص.
وقول فرعون ولا يكاد يبين وكان في لسان الحسين بن عليّ رضى الله تعالى عنهما رته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ورثها من عمه موسى» وقال الحسن: زالت بالكلية لقوله تعالى: {قد أوتيت سؤلك يا موسى} طه.
وضعف هذا الرازي بأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقد من لساني بل قال واحلل عقدة من لساني فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله قال والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء وقال الزمخشري وفي تنكير العقدة ولم يقل واحلل عقدة لساني أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهمًا جيدًا أي: ولذا قال: {يفقهوا} أي: يفهموا {قولي} عند تبليغ الرسالة ولم يطلب الفصاحة الكاملة ومن لساني صفة للعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني.
تنبيه:
استدل على أنّ في النطق فضيلة عظيمة بوجوه: أوّلها: قوله تعالى: {خلق الإنسان علمه البيان} الرحمن.
فماهية الإنسان هي الحيوان الناطق. ثانيها: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان قال زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

وقالوا ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة أي: لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم، وقالوا: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، وقالوا المرء مخبوء تحت لسانه. ثالثها: أنّ في مناظرة آدم عليه السلام مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} [البقرة].
ولما رأى موسى عليه السلام أنّ التعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة الودّ وزوال التهمة قربة عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى طلب المعاونة على ذلك بقوله: {واجعل لي وزيرًا} أي: معينًا على الرسالة ولذلك قال عيسى ابن مريم عليه السلام: {من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} [آل عمران]. وقال محمد صلى الله عليه وسلم «إنّ لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر» وقال صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله تعالى بملك خيرًا قيض له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكره وإن نوى خيرًا أعانه وإن أراد شرًّا كفه» وقال أنوشروان: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل ولا أكرم الدواب عن السوط ولا أعلم الملوك عن الوزير. ولما كان التعاون على الدين منقبة عظيمة أراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله فقال: {من أهلي} أي: أقاربي وقوله: {هارون} قال الجلال المحلي: مفعول ثان وقوله: {أخي} عطف بيان وذكر غيره أعاريب غير ذلك لا حاجة لنا بذكرها.
تنبيه:
الوزير مشتق من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، أو من الوزر لأنّ الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره، أو من الموازرة وهي المعاونة. قال الرازي: وكان هارون مخصوصًا بأمور منها الفصاحة لقول موسى: {هو أفصح مني لسانًا} [القصص].
ومنها الرفق لقول هارون: {يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} [طه].
أنه كان أكبر سنًا منه وقال ابن عادل كان أكبر سنًا من موسى بأربع سنين وكان أفصح لسانًا منه وأجمل وأوسم أبيض اللون وكان موس آدم اللون أقنى جعدا.
ولما طلب موسى عليه السلام من الله تعالى أن يجعل هارون وزيرًا له طلب منه أن يشد أزراره بقوله: {اشدد به أزري} أي: أقوّي به ظهري {وأشركه في أمري} أي: في النبوّة والرسالة، وقرأ ابن عامر بسكون الياء من أخي وهمزة مفتوحة من أشدد وهو على مرتبته في المدّ وهمزة مضمومة من أشركه وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من أخي وهمزة وصل من اشدد وأشركه بهمزة مفتوحة والباقون بسكون الياء من أخي وهمزة وصل من أشدد وفتح الهمزة من أشركه ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: {كي نسبحك} تسبيحًا {كثيرًا} قال الكلبي: نصلي لك كثيرًا نحمدك ونثني عليك والتسبيح تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عما لا يليق به.
{ونذكرك} ذكرًا {كثيرًا} أي: نصفك بصفات الكمال والجلال والكبرياء وجوّز أبو البقاء أن يكون كثيرًا نعتًا لزمان محذوف أي: زمانًا كثيرًا.
{إنك كنت بنا بصيرًا} أي: عالمًا بأنّا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك أو بصيرًا بأنّ الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوّة إليها أو بصيرًا بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو الأصلح لنا. ولما سأل موسى عليه السلام ربه تلك الأمور المتقدّمة وكان من المعلوم أنّ قيامه بما كلف به لا يتم إلا بإجابته إليها لا جرم {قال} الله تعالى: {قد أوتيت سؤلك يا موسى} أي: أعطيت جميع ما سألته منا عليك لما فيه من وجوه المصالح {ولقد مننا عليك مرّة أخرى} أي: أنعمنا عليك في وقت آخر وفي ذلك تنبيه على أمور أحدها: كأنه تعالى قال: إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ثانيها: إني كنت ربيتك فلو منعتك الآن كان ذلك ردًّا بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي ثالثها: إنّا أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك الدرجة العالية وهي منصب النبوّة فكيف يليق بمثل هذه التربية المنع عن المطلوب فإن قيل: لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أنّ هذه اللفظة مؤذية والمقام مقام تلطف؟
أجيب: بأنه إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أنّ هذه النعم التي وصل إليها ما كان مستحقًا لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها لمحض فضله وإحسانه، فإن قيل: لم قال مرّة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننًا كثيرة؟
أجيب: بأنه لم يعن بمرّة أخرى واحدة من المنن لأنّ ذلك قد يقال في القليل والكثير، ثم بيّن تلك المنة وهي ثمانية أولها قوله تعالى: {إذ أوحينا إلى أمّك} وحيًا لا على وجه النبوّة إذ المرأة لا تصلح للقضاء ولا للإمامة ولا تلي عند أكثر العلماء تزويج نفسها فكيف تصلح للنبوّة ويدل على ذلك قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالًا نوحى إليهم} النحل.
والوحي جاء لا بمعنى النبوّة في القرآن كثيرًا قال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} النحل.
{وإذا أوحيت إلى الحواريين} المائدة.
ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه:
أحدها: أنه رؤيا رأتها أمّ موسى وكان تأويلها وضع موسى في التابوت وقذفه في البحر وأنّ الله تعالى يردّه عليها.
ثانيها: أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة.
ثالثها: المراد خطور البال وغلبته على القلب، فإن قيل: هذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأنّ الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني؟
أجيب: بأنها لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون.
رابعها: لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إنّ ذلك النبيّ عرفها إمّا مشافهة أو مراسلة واعترض على هذا بأنّ الأمر لو كان كذلك لما لحقها الخوف. وأجيب: بأنّ ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أنّ موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أنّ الله تعالى كان أمره بالذهاب إليه مرارًا.
خامسها: لعل بعض الأنبياء المتقدّمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك الخبر وانتهى ذلك الخبر إلى أمّه.
سادسها: لعلّ الله تعالى بعث إليها ملكًا لا على وجه النبوّة كما بعث إلى مريم في قوله: {فتمثل لها بشرًا سويًا} مريم.
وأمّا قوله تعالى: {ما يوحى} فمعناه ما لا يعلم إلا بالوحي أو ما ينبغي أن يوحى ولا يخلّ به لعظم شأنه وفرط الاهتمام ويبدل منه {أن اقذفيه} أي: ألقيه {في التابوت} أي: ألهمناها أن اجعليه في التابوت {فاقذفيه} أي: موسى بالتابوت {في اليمّ} أي: نهر النيل {فليلقه اليمّ بالساحل} أي: شاطئه والأمر بمعنى الخبر والضمائر كلها لموسى فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرّق الضمائر فيتنافر النظم الذي هو أمّ إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.